ابن عبد البر
266
الدرر في اختصار المغازي والسير
حجّة « 1 » أبى بكر الصّدّيق رضى اللّه عنه سنة تسع وأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أبا بكر بالخروج إلى الحج وإقامته للناس ، فخرج أبو بكر لذلك « 2 » ، ونزل صدر « 3 » سورة براءة بعده . فقيل له : يا رسول اللّه لو بعثت بها إلى أبى بكر يقرؤها على الناس في الموسم ؟ فقال : إنه لا يؤدّيها عنى إلا رجل من أهل بيتي . ثم دعا عليّا ، فقال له : اخرج بهذه القصة من صدر براءة ، وأذّن بها في الناس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنى . وأمره بما ينادى « 4 » به في الموسم - فخرج على ناقة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - العضباء ، حتى أدرك أبا بكر بالطريق ، فقال له أبو بكر لما رآه : أميرا « 5 » أو مأمورا ، قال : بل مأمورا . ثم نهضا ، فأقام أبو بكر للناس الحجّ سنة تسع على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية . وقد قيل إن حجة أبى بكر وقعت حينئذ في ذي القعدة على ما كانوا عليه من النسىء في الجاهلية . وروى معمر ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله [ تعالى ] : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) قال : كانوا يحجون في شهر ( ذي القعدة ) عامين ، ثم حجّوا في ذي الحجّة عامين ، ثم حجّوا في المحرّم عامين ، ثم حجوا في صفر عامين ، حتى وافت حجة أبى بكر الأخيرة في ذي القعدة قبل حجة
--> ( 1 ) انظر في حجة أبى بكر بالناس سنة تسع ابن هشام 4 / 188 وابن سعد ج 2 ق 1 ص 121 وتاريخ الطبري 3 / 122 والبخاري 5 / 167 وابن حزم ص 258 وابن سيد الناس 2 / 231 وابن كثير 5 / 36 ( 2 ) قال ابن سعد انه خرج من المدينة في ثلاثمائة رجل وبعث معه الرسول بعشرين بدنة وساق أبو بكر خمس بدنات ( 3 ) وفيه براءة من عهد كل مشرك لم يسلم أن يدخل المسجد الحرام بعد هذا العام التاسع للهجرة وبيان لمدة مضروبة هي أربعة أشهر حتى يرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم ، ثم لا يقبل منهم بعد ذلك الا الاسلام طوعا أو كرها . وسرعان ما دخل في دين الله من كان لا يزال مشركا . وسيوضح ابن عبد البر ذلك عما قليل ( 4 ) في ابن هشام ان عليا كان ينادى في الناس : لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . وقد كره الرسول أن يحج في هذا العام ، ولا يزال مشركون عراة يشركون المسلمين في حجهم ، وسيذكر ابن عبد البر ذلك . ( 5 ) يريد أبو بكر : هل استعمل الرسول عليا أميرا على الحج أو أنه جاء لغرض آخر ، وقد وقفه على ما جاء له من تلاوة صدر سورة براءة على الناس في الحج .